محمد سعيد رمضان البوطي

134

فقه السيرة ( البوطي )

الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [ محمد : 20 ] ولقد قابلت المستشرق الإنكليزي « أندرسن » في مساء الجمعة 3 حزيران 1960 ، فسألته عن رأيه في هذا الموضوع فكان من نصيحته لي أن أقول : إن الجهاد اليوم ليس بفرض بناء على مثل قاعدة « تتغير الأحكام بتغير الأزمان » ، إذ إن الجهاد في رأيه لا يتفق مع الأوضاع الدولية الحديثة لارتباط المسلمين بالمنظمات العالمية والمعاهدات الدولية ، ولأن الجهاد هو الوسيلة لحمل الناس على الإسلام ، وأوضاع الحرية ورقي للعقول لا تقبل فكرة تفرض بالقوة « 1 » . ونعود إلى ما كنا عليه من حديث بيعة العقبة الثانية : لأمر ما أراده اللّه عز وجل ، انتهى إلى سمع المشركين من أهل مكة خبر هذه البيعة ، وما تم فيها بين النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين من أهل المدينة . ولعل من حكمة ذلك تهييء أسباب هجرة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، فسنجد أن لهذا الخبر الذي انتهى إلى سمع المشركين أثرا كبيرا في تضييقهم الأمر على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وإجماعهم الرأي على قتله والتخلص منه . ومهما يكن ، فإن بيعة العقبة الثانية ، كانت المقدمة الأولى لهجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة . إذن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة قال ابن سعد في طبقاته . يروى عن عائشة رضي اللّه عنها : لما صدر السبعون من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طابت نفسه ، فقد جعل اللّه له منعة وقوما أهل حرب وعدة ونجدة ، وجعل البلاء يشتد على المسلمين من المشركين لما يعلمون من الخروج ، فضيّقوا على أصحابه وتعبّثوا بهم ، ونالوا ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى ، فشكا ذلك أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة ، فقال : « قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب ، فمن أراد الخروج فليخرج إليها » فجعل القوم يتجهزون ويتوافقون ويتواسون ويخرجون ويخفون ذلك ، فكان أول من قدم المدينة من أصحابه صلى اللّه عليه وسلم أبو سلمة بن عبد الأسد ثم قدم بعده عامر بن ربيعة ومعه امرأته بنت أبي حشمة ، فهي أول ظعينة « 2 » قدمت المدينة ثم

--> ( 1 ) آثار الحرب في الفقه الإسلامي ، تعليق في ص 59 . ( 2 ) الظعينة : هي المرأة التي تكون في الهودج .